دعونا نتحدث قليلا عن الترجمة

رقم العدد : 1985  تاريخ العدد : 2010/2/9   اليوم : الثلاثاء
آخر تحديث : 2010/2/9
بقلم : أمل اسماعيل

ربما كانت آخر وظيفة أتوقع أن أمارسها في حياتي المهنية ـ عندما كنت طفلة ـ هي الترجمة، وبغض النظر عن ميولي الأدبية التي تفتحت براعمها مبكرا، فإنني بمجرد أن درست اللغة الانكليزية في الابتدائي كرهتها كرها شديدا؛ بسبب المعلمة التي كان لها دور فعاااال جدا ـ والحق يقال ـ في تعميق كرهي لهذه اللغة الدخيلة علينا في تلك الأيام التي لم يكن الآباء يلقون بالا لمضغ الكلمات الانكليزية وليّ أحناكهم بها في الشاردة والواردة وأمام كل من هب ودب لإقناعهم بأنهم يمارسون أدق تفاصيل التربية الصحيحة بتعليم الأطفال لغة أجنبية ستصبح في المستقبل القريب لغة كل من ليس له لغة.. أو هوية! وصل بي الأمر حينها إلى درجة أني كنت أحلم بحروف الأبجدية الانكليزية وهي تقفز فوقي لتسحقني، وكنت أستيقظ فزعة لأسب وأشتم الانكليزية وأبكي لأمي وأقنعها بأني لا أريد حضور درس الانكليزية ـ وحده بالذات ـ في المدرسة. لم يدم الحال طويلا، إذ أنعم الله علينا بمعلمة أشبه بملاك رحمة يطوف بيننا، هناك فقط، بدأت مهاراتي تشتعل وحماسي يشتد، وتغيرت نظرتي للإنكليزية، ولم يعد يحول بيني وبينها ذلك الرهاب الطفولي البريء.توفيت معلمتي.. (ملاك الانكليزية الحنون) في السنة التي تليها، لم تكن تدرسني حينها، لكن لمستها السحرية ظلت مطبوعة في قلوبنا ـ نحن التلميذات ـ جميعا، إلى يومنا هذا.. فرحمها الله وجزاها عنا خير الجزاء. رغم كل ذلك، لم تستقر اللغة الانكليزية والترجمة في ذهني إلا بعد أن بدأت أفكر جديا في ترجمة الأعمال الأدبية أو المنشورات عموما إليها، وصرت أرى فيها بعدا ثالثا ورابعا، ومع أن الصحافة والإعلام كانت حلمي في ذلك الحين.. وقبلها وأهم منها (الهندسة الإلكتروكهربية) إلا أن القدر ساقني إلى الترجمة.. وكان ما كان!

ما يجعلني أستعيد هذا الفصل الحياتي ـ الذي ربما ترونه مملا ـ هو تلك اللحظات التي يقف فيها المرء مع نفسه ليفكر أين وصل في مشوار حياته المهنية، وطموحاته المستقبلية.. وأين تلك اليافطات العريضة التي كتبناها على أبواب غرفنا، وجدران بيوتنا متشدقين بالمناصب والمراتب التي سنحققها إذا ما ' تحررنا' من المرحلة الدراسية وخضنا تجربتنا في المجال العملي والمهني.

أتساءل عما يكونه 'المترجم' بين كل هؤلاء.. المترجم الذي ينتهي به الحال إلى مكتب في الزاوية، لتبيض عيناه وهو يتنقل بين ورقة وأخرى، وقاموس وآخر، والساعة تطن فوق رأسه كعش دبابير توشك أن تخزه بين لحظة وأخرى إذا ما غفلت عينه لثوانٍ أو سكنه الملل. ما هي مكانة المترجم في عصرنا يا ترى؟ وهل يراه الناس مجرد 'ماكينة لغات'.. يدخل فيها النص الأصلي من هنا ليخرج النص المترجم من هناك! ربما كان الطبيب يعالج أجسادنا، لكن المترجم يعالج روح الثقافة والحضارة ويؤجج قلبها لتستمر في النبض فلا تندثر. ولست أعود إلى التشبيه بالطبيب إلا لأني أدرك عمق الفكرة النمطية التي كونتها أجيال وأجيال عن قداسة هذه المهنة، وسعي الآباء إلى الزج بأبنائهم فيها بغض النظر عن خططهم المستقبلية الخاصة. إذا ما أردت أن تعرف كيف تردى الحال بمترجمينا، فابحث عنهم، وانتشلهم من تحت أنقاض المكاتب، والمؤسسات والدوائر والهيئات ـ في حال وجدتهم فيها أصلا ـ فنحن لم نعد نرى في الترجمة إلا أداة عمياء، ومكتبا يقدم 'خدمات' الترجمة عندما يصعب علينا استيعاب ' رطن' المسؤول الفلاني، أو رسائل الجهة العلانية.. أو كتابا وجب علينا ترجمته لأنه حقق أعلى نسبة في المبيعات ـ بغض النظر عما ينقله لنا من رحيق الحياة أو سمومها ـ وهلمّ جرّاً. وسواء كانت لغتنا العربية تحتل المرتبة الأولى أو المليون.. فما الداعي لأن نترجم، وقد تحولنا جميعا ـ بقدرة قادر ـ إلى مترجمين بالفطرة.. وإلى سماسرة لغات، نشقلب ألسنتنا على كل موجة، ونخرج (بما يفهم) من كلمات، لا داعي لأن تكون نحوية مئة في المئة.. ما دام سيبويه قد مات وشبع موتا!

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليـــق
 
   
لقد تم إرسال تعليقكم
ستتم مراجعته من قبل إدارة الموقع